بيان ائتلاف استقلال القضاء: واجب التّضامن مع بيطار في مواجهة الحملات الممنهجة ضده

منذ أن وجّه المحقّق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار طلبات لمنْحه أذونات بملاحقة نوّاب وقادة أجهزة أمنيّة، نشهد إطلاق حملة مُمنهجة تتصاعد تدريجيا ضدّه على مستويات عدة. فإلى جانب التصعيد في النبرة المستخدمة ضدّه والتي وصلت حدّ التنمير والتشبيح عليه، نشهد تحوّلًا من التشكيك بسدادة قراراته إلى التشكيك باستقلاليّته وارتباطاته. كما نشهد توسّعًا في دائرة النقد لتنتقل من مواقع إخبارية هامشية إلى شخصيات سياسية من الطراز الأول. ومن أخطر هذه الاستهدافات، الاستهدافات الصادرة مؤخرا عن مواقع مقربة من الأشخاص المشتبه بهم والتي وصلت حدّ اتّهامه بالاستهداف السياسي وصولًا إلى تشبيهه بديتليف ميليس أو أيضًا بثّ شائعات مفبركة حول لقاءات دورية له مع شخصيات سياسية، هذا فضلًا عن تحقيره والتقليل من شأنه من قبل أشخاص من ذوي المناصب العليا في السلطة التشريعية والقوى السياسية الحاكمة وصولا للتغول على صلاحياته.

وتعليقًا على كل هذه الحملة الممنهجة، يهمّنا كائتلاف توضيح وتسجيل الأمور الآتية:

1- إن هذه التلميحات والتهجّمات والشائعات لا تأتي منعزلة إنما ضمن حملة ممنهجة ضد قرارات القاضي بيطار وشخصه. وهي تتزامن وتترافق مع جملة من المناورات الاحتيالية التي تتفنن فيها القوى الحاكمة للتشويش على التحقيق وعرقلته، وهي المناورات التي أسهبنا في تبيانها في بياننا السابق المؤرخ في 22/7/2021، ومنها تزوير مواد النظام الداخلي للمجلس النيابي وطلب اتهام المشتبه بهم أمام محكمة متخيّلة. وقد تفاقمت هذه المناورات مؤخرا من خلال إغراق طلبات رفع الحصانة عن أشخاص مشتبه بهم في متاهات تعديل الدستور، مع ما يستتبعه من آجال طويلة وشروط تحققها شبه مستحيل،

2- من البيّن أن هذه الحملة إنما تهدف إلى التشكيك بأداء المحقق العدلي وحياديته واستيلاد ارتياب غير مشروع به، بعدما استهابَتْ قوى الحكم الالتفاف الاجتماعي الواسع حول شخصه بما يمثله من توقٍ عامّ للحقيقة والعدالة في إحدى أخطر الجرائم الحاصلة في لبنان. وقد عاينت هذه القوى قوة هذا الالتفاف من خلال الاعتراض العفوي الواسع والفوري ضد طلب الاتهام الموقع من عدد من النواب. فكأنما يراد ليس فقط التشويش على القاضي وإقلاق طمأنينته وترهيبه بكمّ من الشائعات والتلميحات، بل تقليب الرأي العام ضده وصولا إلى تقويض الثقة العامة به وتجريده من الضمانة الأهم لاستقلاليّته وهي الحماية الاجتماعية التي بلغت تجاهه ما لم تبلغه تجاه أي قاض من قبل،

3- من البيّن أن هذه الحملة تشكّل في عمقها وأهدافها فنّا آخر من فنون الإفلات من العقاب، من خلال تحويل اشتباه القاضي بأشخاص نافذين إلى اشتباه ضده بما يسهل التفلت من قراراته والانقضاض عليها. ومن المرجّح تاليا أن تزداد هذه الحملة تصاعدا بقدر ما يزداد حرج القوى الحاكمة حيال عدم الاستجابة لطلبات رفع الحصانة.

وعليه،

ومع التأكيد على الحقّ المشروع لأيّ مواطن في انتقاد القضاء طالما أنه يتم على أساس معطيات واقعية ومن دون تجنّ،

جئنا نطلب ونؤكد الآتي:

1. إننا ندين الحملة المذكورة والتي نضعها في خانة التعرّض لاستقلال القاضي، وتاليا لحقوق الضحايا والمجتمع بالحقيقة والعدالة، وذلك بفعل ممارسات التنمير والتشبيح والتحقير وبث الشائعات على اختلافِها،

2. في ظلّ استشراس القوى السياسية الحاكمة في التمسّك بالحصانات وما تتيحه من إفلات معمم من العقاب، وانخراط العديد منها في الاعتداء على استقلالية القاضي والتغول على صلاحياته، فإن الضمانة الوحيدة لتمكينه من مواصلة عمله باستقلالية وشجاعة تكون في ضمان أوسع التفاف شعبي حوله. فلا يُعقل أن يكلّف قاض بمهمة شاقة كهذه يشتبه تورّط كبار أعيان النظام فيها وأن نتركه من ثمّ وحيدا في مواجهته. وعليه، نؤكّد كائتلاف التفافنا حول القاضي بيطار دعما له في جهوده داعين القوى المجتمعية الحيّة وكل من يريد جلاء الحقيقة، لدعمه في مواجهة كل محاولات الابتزاز والترهيب التي يتعرّض لها.

3. أخيرًا، وإذ نحذّر من مغبة الاستمرار في المناورات لإغراق مطالب رفع الحصانات في متاهات قانونية وفي حملات التعرض للقاضي، نؤكد على ضرورة انعقاد المجلس النيابي الفوري بهيئته العامة للنظر في طلب القاضي بيطار لإعطائه إذن بملاحقة النواب المشتبه بهم، تمكينا له من مواصلة بحثه الجادّ عن العدالة والحقيقة.